مصطفى صادق الرافعي

119

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

والفرس ، وهي فيها كالشامة في جلد البعير ، ولو وقعت عليها ذبابة لكانت عسى أن تخفيها ! . على أن من أعجب ما في أمر العرب أنهم كانوا يتخاذلون عن قتال النبي صلّى اللّه عليه وسلم وجماعته على كثرة ما استنفرتهم قريش لحربه ، وما اعترضتهم في حجهم ومواسمهم « 1 » ، وعلى ما كانوا يعرفون من مغبّة هذا الأمر ، وأنه ذاهب بطريقتهم لا محالة ، فلم يجمعوا كيدهم ، ولم يصدموه ، بل استأنوا به ولبسوه على أمر ، وسرحوا فرصة كانت لهم ممكنة ، وتركوا أسبابا كانت منهم قريبة ، وليس في ذلك سبب وراء القرآن ؛ فإن كل آية يسمعونها كانت تصيبهم بالشلل الاجتماعي ، وتخذلهم في أنفسهم ، فلا يحسون منها إلا تراجع الطبع وفتور العزيمة . ويكسر ذلك عليهم أمرهم . فتقع الحرب في أنفسهم بديئا بين الوهم واليقين ، فإن نصبوها له بعد ذلك أقدموا عليها بنفوس مخذولة ، وعزائم واهية ، وأمور منتشرة ، وخواطر متقسمة ، وقاموا فيها وهم يعرفون آخرة النزوة وعاقبة الجولة ، وتلك حرب سبيلها في القتال سبيل المكابرة الواهنة في الجدال : من أقدم عليها مرة كان آية لنفسه ، وكان عبرة لغيره ، حتى ما يعتزم لهولها كرة أخرى ، فمن سكن بعدها فقد سكن ! . ونزل القرآن على الوجه الذي بيّنّاه ، فظنه العرب أوّل وهلة من كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم وروّحوا عن قلوبهم بانتظار ما أمّلوا أن يطلعوا عليه في آياته البينات ، كما يعتري الطبع الإنساني من الفترة بعد الاستمرار ، والتراجع بعد الاستقرار ، ومن اضطراب القوة البيانية بعد إمعانها ، وجماحها الذي لا بد منه بعد إذعانها ، ثم ما هو في طبع كل بليغ من الاختلاف في درجات البلاغة علوّا ونزولا ، على حسب ما لا بد منه في اختلاف المعاني ، وتباين الأحوال النفسية المجتمعة عليها ، والتفاوت في أغراضها وطرق أدائها ، مما ينقسم إليه الخطاب ويتصرف القول فيه . ومروا ينتظرون وهم معدون له التكذيب ،

--> يظفروا بها كلها بالفاتحة يردونها في الصلوات ، ويقرءونها عند زيارة القبور ، وآمنوا باللّه إيمانا ناقصا لم يكسبوا فيه خيرا ؛ واللّه تعالى يقول : وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ولكن أين هم المؤمنون اليوم الذين لم تفتنهم زينة الحياة ، ولم يوههم الحرص على الدنيا ، حتى يصدقهم اللّه وعده ؟ وفي الحديث : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق تداعي الأكلة إلى قصعتها » قيل : يا رسول اللّه أمن قلة منا نحن يومئذ قال : « لا ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، يجعل الوهن في قلوبكم ، وينزع الرعب من قلوب عدوكم ، لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت » . فلقد صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولقد تداعت الأمم اليوم على المسلمين من كل أفق وما بهم قلة وهم 350 مليونا ، ولكنه نقص الإيمان ودلائله والانصراف عن القرآن وفضائله . ( 1 ) لهذا تفصيل تجده في تاريخ السيرة النبوية : ولقد استنفدت قريش جهدها في صد العرب عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولكنه أمر اللّه لا أمر إنسان .